د. مصطفى الغراوي – أخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)
\r\n\r\nيمر الإنسان خلال حياته بمواقف مختلفة تثير لديه مشاعر القلق والحزن والخوف والغضب، وقد يجد نفسه عالقا في أفكار متكررة تؤثر في قراراته وعلاقاته وتعامله مع الآخرين. أحيانا لا تكون المشكلة في الموقف نفسه، بل في الطريقة التي نفهم بها هذا الموقف ونفسره، وفي الأفكار التي تتشكل لدينا نتيجة لذلك.
\r\n\r\nمن هنا يأتي دور العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy - CBT)، وهو أحد الأساليب العلاجية النفسية التي تساعد الإنسان على فهم العلاقة بين أفكاره ومشاعره وسلوكياته، والعمل على تغيير الأنماط التي تزيد من معاناته النفسية.
\r\n\r\nما هو العلاج المعرفي السلوكي؟
\r\n\r\nالعلاج المعرفي السلوكي هو أسلوب علاجي يقوم على فكرة أساسية مفادها أن أفكار الإنسان تؤثر في مشاعره وسلوكياته، وأن تعديل الأفكار غير الدقيقة وتغيير السلوكيات غير المفيدة يمكن أن يساعدا في تحسين حالته النفسية وطريقة تعامله مع المشكلات.
\r\n\r\nفعندما يواجه الإنسان موقفا صعبا، قد تظهر في ذهنه أفكار تلقائية تؤثر في مشاعره وتدفعه إلى التصرف بطريقة معينة. وقد لا ينتبه إلى هذه الأفكار، لكنه يشعر بنتائجها من خلال القلق أو الحزن أو الغضب أو الانسحاب من المواقف.
\r\n\r\nعلى سبيل المثال، إذا أرسل شخص رسالة إلى صديقه ولم يتلق ردا، فقد يفكر مباشرة بأنه لم يعد مهما بالنسبة إليه، أو أن صديقه يتعمد تجاهله. وقد يشعر بالحزن أو الغضب، ثم يقرر قطع العلاقة أو إرسال رسائل متكررة بحثا عن الطمأنينة.
\r\n\r\nلكن عدم تلقي الرد قد تكون له أسباب أخرى لا يعرفها الشخص. لذلك يساعد العلاج المعرفي السلوكي على التمييز بين ما حدث فعلا وبين التفسير الذي وضعه العقل لهذا الحدث.
\r\n\r\nكيف تؤثر الأفكار في مشاعرنا وسلوكياتنا؟
\r\n\r\nتتكون العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات من حلقات مترابطة، ويمكن أن يؤدي استمرار نمط معين منها إلى زيادة المعاناة النفسية.
\r\n\r\nلنفترض أن شخصا ارتكب خطأ في عمله، ثم بدأ يقول لنفسه: أنا فاشل، ولا أستطيع النجاح، ودائما أفسد الأمور.
\r\n\r\nقد تؤدي هذه الأفكار إلى الشعور بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس، ثم يبدأ الشخص بتجنب المهام الجديدة خوفا من تكرار الخطأ. ومع مرور الوقت، قد يؤدي تجنبه للتجارب الجديدة إلى تقليل فرص التعلم والنجاح، فيزداد اقتناعه بأنه غير قادر على الإنجاز.
\r\n\r\nفي هذه الحالة، لا يقتصر تأثير المشكلة على الخطأ الأول، بل يمتد إلى الأفكار التي أعقبته والمشاعر التي نتجت عنها والسلوكيات التي حافظت على استمرارها.
\r\n\r\nيساعد العلاج المعرفي السلوكي على اكتشاف هذه الحلقة والعمل على تغييرها، من خلال فحص الأفكار وتعلم مهارات جديدة والتدرب على سلوكيات أكثر فاعلية.
\r\n\r\nما الأفكار التي قد تزيد من معاناتنا النفسية؟
\r\n\r\nهناك أنماط من التفكير قد تجعل الإنسان ينظر إلى نفسه أو الآخرين أو المستقبل بطريقة أكثر سلبية مما تسمح به الوقائع.
\r\n\r\nمن هذه الأنماط التعميم، عندما يرتكب الإنسان خطأ واحدا فيعتقد أنه يفشل في كل شيء. وهناك التفكير الكارثي، عندما يتوقع أسوأ النتائج قبل حدوثها. كما يظهر التفكير بصيغة الكل أو لا شيء، فيرى الإنسان نفسه ناجحا تماما أو فاشلا تماما، دون أن يترك مساحة للنتائج المتوسطة أو للتحسن التدريجي.
\r\n\r\nومن الأنماط الشائعة أيضا قراءة أفكار الآخرين، عندما يفترض الإنسان أنه يعرف ما يفكرون فيه دون دليل كاف، والتخصيص، عندما يحمل نفسه مسؤولية أحداث لا تقع كلها ضمن سيطرته.
\r\n\r\nهذه الأنماط لا تعني أن الإنسان ضعيف أو أن كل أفكاره خاطئة، لكنها تشير إلى أن العقل قد يقع أحيانا في تفسيرات غير دقيقة، خاصة في أوقات التوتر والخوف والضغط النفسي.
\r\n\r\nكيف يساعد العلاج المعرفي السلوكي على تغيير هذه الأفكار؟
\r\n\r\nلا يقوم العلاج المعرفي السلوكي على إجبار الإنسان على التفكير بإيجابية أو إقناعه بأن كل شيء سيكون جيدا، بل يساعده على تقييم أفكاره بطريقة أكثر واقعية وتوازنا.
\r\n\r\nفعندما تظهر فكرة مثل: لن أنجح أبدا، يمكن للإنسان أن يتعلم التوقف عندها وطرح مجموعة من الأسئلة: ما الدليل الذي يدعم هذه الفكرة؟ هل توجد تجارب سابقة نجحت فيها؟ هل أحكم على مستقبلي كله بناء على تجربة واحدة؟ وما التفسير الأكثر واقعية لما حدث؟
\r\n\r\nقد يكتشف الشخص أن الفكرة ليست حقيقة مؤكدة، وإنما استنتاج متسرع نتج عن شعوره بالإحباط.
\r\n\r\nوبدلا من القول: أنا فاشل، يمكنه أن يقول: لم أنجح في هذه المحاولة، لكن يمكنني معرفة أسبابها والعمل على تحسين أدائي في المرة القادمة.
\r\n\r\nهذا التغيير لا يعني تجاهل الأخطاء أو إنكار المشكلات، بل التعامل معها بطريقة تسمح بالتعلم واتخاذ قرارات أكثر فاعلية.
\r\n\r\nما دور السلوك في العلاج المعرفي السلوكي؟
\r\n\r\nيركز العلاج المعرفي السلوكي على الأفكار والسلوكيات معا، لأن فهم المشكلة وحده لا يكفي دائما لتغييرها.
\r\n\r\nقد يعرف الشخص الذي يعاني من القلق أن مخاوفه مبالغ فيها، لكنه يستمر في تجنب المواقف التي تثير قلقه. وقد يدرك الشخص الذي يعاني من ضعف الثقة بالنفس أنه يقلل من قدراته، لكنه يتردد في المشاركة أو التعبير عن رأيه خوفا من النقد.
\r\n\r\nهنا تأتي أهمية التدرب على سلوكيات جديدة بصورة تدريجية ومدروسة، بما يتناسب مع طبيعة المشكلة وحالة الشخص.
\r\n\r\nفالشخص الذي يتجنب التحدث أمام الآخرين بسبب القلق قد يبدأ بمشاركة رأيه في مجموعة صغيرة، ثم يتدرج نحو مواقف أكثر تحديا. والشخص الذي يبالغ في طلب الطمأنينة من الآخرين يمكنه التدرب على تحمل قدر من عدم اليقين واتخاذ قراراته دون الحاجة إلى التأكد المستمر.
\r\n\r\nومع تكرار هذه التجارب، قد تتغير توقعاته ويتعلم أن بإمكانه التعامل مع المواقف التي كان يتجنبها سابقا.
\r\n\r\nكيف يمكن تطبيق مبادئ العلاج المعرفي السلوكي في الحياة اليومية؟
\r\n\r\nيمكن للإنسان البدء بمجموعة من الخطوات البسيطة التي تساعده على فهم أفكاره وردود أفعاله بصورة أفضل.
\r\n\r\nأولا، تحديد الموقف الذي أثار الانزعاج. من المهم وصف ما حدث فعلا دون إضافة تفسيرات أو أحكام.
\r\n\r\nثانيا، ملاحظة الفكرة التلقائية التي ظهرت في الذهن. ماذا قلت لنفسي عندما حدث هذا الموقف؟ هل اعتقدت أنني مرفوض أو فاشل أو غير مهم؟
\r\n\r\nثالثا، تحديد الشعور الناتج عن الفكرة. هل شعرت بالخوف أو الحزن أو الغضب أو الإحباط؟ ويمكن تقدير شدة الشعور من صفر إلى مئة للمساعدة على ملاحظته.
\r\n\r\nرابعا، فحص الفكرة والبحث عن الأدلة. هل أملك دليلا واضحا يدعمها؟ هل توجد تفسيرات أخرى؟ وهل أتعامل مع احتمال معين وكأنه حقيقة مؤكدة؟
\r\n\r\nخامسا، صياغة فكرة بديلة أكثر توازنا. ليس المطلوب استبدال الفكرة السلبية بأخرى إيجابية بصورة مصطنعة، بل الوصول إلى تفسير أقرب إلى الواقع.
\r\n\r\nسادسا، اختيار سلوك مفيد. بعد فهم الموقف، يمكن اتخاذ خطوة عملية بدلا من الاستمرار في الاجترار والتفكير المتكرر.
\r\n\r\nعلى سبيل المثال، إذا اعتقدت أن زميلك في العمل يتعمد التقليل من شأنك لأنه لم يلق التحية عليك، يمكنك التوقف عن افتراض نواياه، والنظر في احتمالات أخرى، ثم التعامل معه بصورة طبيعية ما لم تظهر أدلة فعلية على وجود مشكلة.
\r\n\r\nإن تكرار هذه الممارسة يساعد على تطوير القدرة على ملاحظة الأفكار ومراجعتها قبل أن تتحول إلى ردود أفعال تلقائية.
\r\n\r\nهل يستطيع العلاج المعرفي السلوكي علاج جميع المشكلات النفسية؟
\r\n\r\nيستخدم العلاج المعرفي السلوكي في التعامل مع عدد من المشكلات النفسية، ومنها اضطرابات القلق والاكتئاب وبعض أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالضغوط النفسية. وتوجد أدلة علمية تدعم فاعليته في حالات متعددة، لكن مدى الاستفادة منه يختلف بحسب طبيعة المشكلة وشدتها وظروف الشخص.
\r\n\r\nولا يعني ذلك أنه الحل الوحيد لجميع الحالات، فقد يحتاج بعض الأشخاص إلى أساليب علاجية أخرى أو إلى خطة علاجية تجمع بين أكثر من نهج، وفقا للتقييم المهني.
\r\n\r\nكما أن قراءة المقالات النفسية أو تطبيق بعض التمارين الذاتية قد تكون مفيدة، لكنها لا تغني بالضرورة عن التقييم والعلاج المتخصصين عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة أو تؤثر بصورة واضحة في الحياة اليومية.
\r\n\r\nالعلاج المعرفي السلوكي ليس مجرد تغيير للأفكار، بل تعلم طريقة جديدة للتعامل مع النفس والحياة.
\r\n\r\nقد لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث حولنا، ولا نستطيع منع جميع المشاعر المؤلمة من الظهور، لكن يمكننا تعلم كيفية التعامل معها، وفهم الأفكار التي تزيد من حدتها، وتطوير سلوكيات تساعدنا على مواجهة المواقف بدلا من الهروب منها أو الاستسلام لتفسيراتنا الأولى.
\r\n\r\nإن التغيير النفسي لا يحدث في يوم واحد، بل يتطلب الفهم والتدريب والاستمرار. وكلما أصبح الإنسان أكثر قدرة على ملاحظة أفكاره وفحصها والتصرف بوعي، ازدادت فرصته في بناء علاقة أكثر توازنا مع نفسه ومع الآخرين.
\r\n\r\nد. مصطفى الغراوي
\r\nأخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)